ابن بطوطة
402
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
وبلاد السّرو التي يسكنها بجيلة وزهران وغامد ، وسواهم من القبائل « 224 » مخصبة كثيرة الأعناب وافرة الغلات ، وأهلها فصحاء الألسن لهم صدق نية وحسن اعتقاد ، وهم إذا طافوا بالكعبة يتطارحون عليها لائذين بجوارها ، متعلقين بأستارها ، داعين بأدعية تتصدع لرقتها القلوب ، وتدمع العيون الجامدة ، فترى الناس حولهم باسطي أيديهم مؤمّنين على أدعيتهم ، ولا يتمكن لغيرهم الطواف معهم ولا استلام الحجر لتزاحمهم على ذلك ، وهم شجعان أنجاد ولباسهم الجلود ، وإذا وردوا مكّة هابت أعراب الطريق مقدمهم وتجنبوا اعتراضهم ومن صحبهم من الزوار حمد صحبتهم ، وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكرهم وأثنى عليهم خيرا ، وقال : علموهم الصلاة يعلموكم الدعاء . وكفاهم شرفا دخولهم في عموم قوله صلى الله عليه وسلم : الإيمان يماني والحكمة يمانية ، وذكر أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان يتحرّى وقت طوافهم ويدخل في جملتهم تبركا بدعائهم ، وشأنهم عجيب كلّه وقد جاء في أثر : زاحموهم في الطّواف فإن الرحمة تنصبّ عليهم صبّا . ذكر عادتهم في ليلة النصف من شعبان وهذه الليلة من الليالي المعظمة عند أهل مكة يبادرون فيها إلى أعمال البر من الطواف والصلاة جماعات وأفذاذا والاعتمار ، ويجتمعون في المسجد الحرام جماعات لكل جماعة إمام ، يوقدون السرج والمصابيح والمشاعل ويقابل ذلك ضوء القمر يتلألأ الأرض والسماء نورا ، ويصلون مائة ركعة يقرءون في كل ركعة بأم القرآن ، وسورة الإخلاص يكررونهما عشرا ، وبعض الناس يصلون في الحجر منفردين ، وبعضهم يطوفون بالبيت الشريف وبعضهم قد خرجوا للاعتمار . ذكر عادتهم في شهر رمضان المعظم وإذا أهل هلال رمضان تضرب الطبول والدّبادب عند أمير مكة ، ويقع الاحتفال بالمسجد الحرام من تجديد الحصر وتكثير الشمع والمشاعل حتى يتلألأ الحرام نورا ويسطع بهجة وإشراقا ، وتتفرق الأئمة فرقا ، وهم الشافعية ، والحنفية ، والحنبلية ، والزيدية ، وأما المالكية فيجتمعون على أربعة من القراء : يتناوبون القراءة ويوقدون الشمع ولا تبقى في الحرم زاوية
--> ( 224 ) القصد إلى الجهات التي تمتد من شرق مكة إلى نجران على حدود اليمن وإلى هذه السروات ينسب القوم الذين يحضرون مكة ويجلبون الميرة وهم قوم غتم " أشبه شيىء بالوحش " هكذا يقول ياقوت - انظر ابن جبير ص 98 .